ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
262
معاني القرآن وإعرابه
( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) ( يَفْتَح ) في موضع جزم على معنى الشرط والجزاء ، وجواب الجزاء ( فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ) ، ولو كان فلا ممسك له لجاز لأن " ما " في لفظ تذكيرا ، ولكنه لَمَّا جَرَى ذكرُ الرحمة كان فلا ممسك لها أحسن ، ألا ترى إلى قوله : ( وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) . ومعنى ما يفتح الله أي ما يَأتيهِمْ بِهِ من مَطَرٍ ورِزقٍ فلا يقدر أَحَدٌ أن يُمْسِكَه ، وما يُمْسِكْ اللَّهُ من ذلك فلا يقدر قادرٌ أن يرسله . ويجوز - ولا أعلم أحَداً قرأ به - " ما يفتحُ اللَّه للناس من رحمة وَما يُمْسِكُ " برفعهما على معنى الذي يفتحه اللَّه للناس من رحمة فلا ممسك لها . والذي يمسك فلا مرسل له ، ويجوز " فلا مُمْسِكٌ لها " بالتنوين ، وما يمسك فَلَا مُرْسِلٌ له من بعده ، وَلَا أعْلَمُ أَحَداً قرأ بها فلا تقرأنَّ بما لم تثبت فيه رواية وإن جاء في العربية لأن القراءةَ سُنَّةٌ . * * * وقوله عزَّ وجلَّ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 ) هذا ذكر بعد قوله : ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ) فأكد ذلك بأن جعل السؤال لهم ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) . ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللَّهِ ) وقُرئت ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ) بالرفع ، على رفع غير . المعنى هَلْ خَالِقٌ غير اللَّه لأن " مِن " مؤكدة ، وقد قرئ بهما جميعاً ، غَيْرُ وَغَيْرِ ، وفيها وجه آخر يجوز في العربية نصب ( غيرَ ) " هل مِنْ خالقٍ غَيرَ اللَّهِ يرزقكم " ويكون النصب على الاستثناء ، كأنَّه هل من خالق إلا اللَّهُ يرزقكم ) ( 1 ) .